ابن الجوزي
414
كتاب ذم الهوى
فانصرفوا به ، فأنشأ يقول عند انصرافهم به : جعلت لعرّاف اليمامة حكمه * وعرّاف حجر إن هما شفياني فقالا نعم نشفي من الدّاء كلّه * وقاما مع العوّاد يبتدران فما تركا من رقية يعلمانها * ولا سلوة إلّا وقد سقياني فقالا شفاك اللّه واللّه ما لنا * بما ضمّنت منك الضلوع يدان قال : فلما قدم على أهله ، وكان له أخوات أربع ووالدة وخالة ، فمرّضنه دهرا ، فقال لهن يوما : اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة واحدة ذهب وجعي . فذهبوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين ، فكان لا يزال يلمّ بعفراء وينظر إليها ، وكانت عند رجل كريم سيّد كثير المال والغاشية « 1 » ، فبينما عروة يوما بسوق البلقاء إذ لقيه رجل من بني عذرة ، فسأله عن حاله ، ومقدمه ، فأخبره . قال : واللّه لقد سمعت أنك مريض ، وأراك قد صححت . فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء ، فقال : متى قدم هذا الكلب عليكم الذي قد فضحكم ؟ قال زوج عفراء : أي كلب هو ؟ قال : عروة . قال : وقد قدم ؟ قال نعم . قال : أنت واللّه أولى بها منه أن تكون كلبا ، ما علمت بقدومه ، ولو علمت لضممته إليّ . فلما أصبح غدا يسأل عنه حتى جاءه فقال : قدمت هذه البلد فلم تنزل بنا ، ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلك عندنا ، عليّ وعليّ إن كان لكم منزل إلا عندي . قال : نعم ، نتحوّل إليك الليلة أو في غد . فلما ولّى قال عروة لأهله : قد كان ما ترون ، وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن برأسي ولألحقنّ بقومكم ، فليس عليّ بأس . فارتحلوا وركبوا طريقهم ونكس عروة « 2 » ولم يزل مدنفا حتى نزلوا وادي
--> ( 1 ) الغاشية : الضيفان والمجالسون . ( 2 ) عاوده المرض .